الحُكم بالسجن على ساركوزي: سقوط عقيدة فرنسية
جمال بُدومة
Monday, 29-Sep-2025 06:07

لم يَعُد نيكولا ساركوزي يحمل فقط صفة الرئيس الأسبق لفرنسا، بل أصبح أيضاً الرئيس الأسبق «لعصابة إجرامية»، من بين أفرادها وزيرا داخليّته بروس أورتفو وكلود غيان... هذا ما أقرّته محكمة باريس الخميس، حين أدانته بـ5 سنوات سجناً بتهمة «تكوين عصابة إجرامية» في قضية التمويل الليبي لحملته الرئاسية للعام 2007، بعد تحقيق استغرق 10 سنوات.

يبدو أنّ لعنة القذافي انتصرت في النهاية، وها هو المسؤول الأول عن مأساة العقيد ودمار ليبيا ينتهي في السجن، ليكون أول رئيس في تاريخ الجمهورية الخامسة يودع وراء القضبان...

 

بدأت متاعب نيكولا ساركوزي مع القضاء بمجرّد انتهاء ولايته الرئاسية عام 2012، إثر هزيمته أمام فرانسوا هولاند. في 3 تموز 2012، أسبوعَين بعد سقوط حصانته الرئاسية، تعرّض بيته ومكتبه إلى مداهمة من الشرطة. وفي عام 2017، حاول العودة إلى قصر الإليزيه لكنّه انهزم في الانتخابات التمهيدية أمام رئيس وزرائه فرانسوا فيون، بعد تفاقم مشاكله مع العدالة، ممّا اضطرّه إلى الابتعاد عن المعترك السياسي، ليتفرّغ إلى قضاياه أمام المحاكم: ما يُعرف بـ«قضية التنصّت»، التي أُدين فيها بتهمة رشوة أحد القضاة، وقضية «بيغماليون» بشأن تمويل حملته الانتخابية عام 2012، ثم قضية التمويل الليبي لحملة 2007.

 

لكن على رغم من انسحابه الاضطراري، استمرّ ساركوزي في ممارسة سلطة رمزية على المشهد السياسي الفرنسي، يقصده الزعماء والوزراء للإستشارة، بمَن فيهم قادة الوسط وأقصى اليمين، إذ سبق لرئيس حزب «التجمّع الوطني» - اليميني المتطرّف - جوردان بارديلا، أن تفاخر بلقائه مع الرئيس الأسبق.

 

كما كان لافتاً أن يزور رئيس الوزراء المعيّن حديثاً، سيباستيان لوكورنو، ساركوزي بمجرّد توليه المنصب، على رغم من انتمائه للتيار الماكروني الوسطي. الرئيس إيمانويل ماكرون نفسُه تربطه علاقة متينة مع ساركوزي، ولا يتردّد في استشارته من حين لآخر... لكلّ ذلك، كان للحُكم وقع الزلزال، خصوصاً في معسكر اليمين، الذي صُعِق وهو يرى زعيمه التاريخي ينتهي وراء القضبان، كأيّ مجرم.

 

إذا استثنَينا فيليب بيتان (1856-1951)، الذي حَكَم فرنسا إبّان الحرب العالمية الثانية، على رأس حكومة فيشي المتعاونة مع النازية، علينا الرجوع إلى الملك لويس السادس عشر (1754-1793)، لنعثر على حاكم فرنسي يدخل إلى السجن، لذلك يُشكّل الحُكم على ساركوزي بـ5 سنوات سجناً مع «التنفيذ الفوري» سابقة في التاريخ السياسي الفرنسي.

 

ردود الفعل في حزب «الجمهوريِّين» تراوحت بين التعاطف الشخصي، الدفاع عن الزعيم من دون التعرّض للقضاء، وبين الهجوم المباشر على العدالة، والتنديد بـ«جمهورية القضاة» وبـ«تغلغل اليسار في السلك القضائي». وبقية الترسانة الهجومية التي يُخرجها اليمين كلّما اقترب القضاء من واحد منهم.

 

فيما انحاز اليسار إلى العدالة، وفضّل معظم زعمائه عدم التعليق على الحُكم، في إشارة إلى احترامهم لمبدأ فصل السلطات. مَن أخذوا الكلمة منهم، دافعوا عن القضاة، مثل سيغولين روايال، الاشتراكية التي تنافست مع ساركوزي في رئاسيات 2007، التي اعتبرت الحُكم على غريمها السابق «خبر محزن لفرنسا»، لأنّه يؤكّد أنّ مَن يحكمون البلاد «ليسوا في مستوى قوانين الجمهورية»، وأنّهم «لم يلتزموا بالمبادئ التي يُفترَض أنّهم يُجسّدونها»...

 

أمّا اليمين المتطرّف، فأبدى تعاطفاً واسعاً مع ساركوزي وهاجم القضاء بشراسة، خصوصاً مبدأ «التنفيذ الفوري» للعقوبة. كما يقول الشاعر: «ويبكي على مات دمعي وماله/ بكَيتُ ولكن بكَيتُ على نفسي»... اليمين المتطرّف لا يدافع عن ساركوزي في الحقيقة بل عن زعيمته مارين لوبان، التي أدانتها المحكمة في قضية الوظائف الوهمية بالبرلمان الأوروبي، بسنتَين سجناً نافذة والحرمان من أهلية الترشح لمدة 5 سنوات، مع «التنفيذ الفوري»، ممّا من شأنه أن يحرمها من الترشح إلى الإنتخابات الرئاسية عام 2027، إذا ما أكدّت محكمة الاستئناف القرار مستهل السنة المقبلة!

 

بخلاف ديمقراطيات الشمال الأوروبي، فرنسا غير معتادة على الصرامة في محاكمة كبار المسؤولين، لأسباب سياسية وتاريخية، على رغم من تورّط كثير منهم في قضايا من العيار الثقيل، منذ تأسيس الجمهورية الخامسة، من النادر أن تجد مَن صدر في حقه حكم بالسجن، وإذا ما حدث ذلك يتمّ التدخّل بشكل أو بآخر كَي لا يقضي المسؤول عقوبته الحبسية.

 

تحقيقات قضائية بلا عدّ فُتِحَتْ في فضائح مالية وسياسية كثيرة، أبطالها مسؤولون مرموقون، من الرئيس جاك شيراك إلى رئيس الوزراء فرانسوا فيون، لكنّها لم تُسفِر أبداً عن دخول أيٍّ منهم إلى السجن، مع عدا استثناءات نادرة، مثل حالة وزير الموازنة في حكومة فرانسوا هولاند، جيروم كاهوزاك، الذي حَكَم عليه القضاء بسنتَين حبساً نافدة عام 2018، على خلفية كذبه بشأن توفّره على حساب مصرفي في الخارج، علماً أنّ كاهوزاك يظلّ مسؤولاً من الدرجة الثانية، ولم يقضِ عملياً وراء القضبان إلّا بضعة أشهر، أمّا ما تبقّى من العقوبة فقد أمضاها في بيته مراقباً بسوار إلكتروني.

 

أمّا وزير الاقتصاد الأسبق، الاشتراكي دومينيك ستروس-كان، فما كان أبداً ليدخل إلى السجن لو بقيَ في فرنسا، على رغم من أنّ القاصي والداني يعرف قصصه مع التحرّش، كان لا بُدّ أن يُصبح مديراً لصندوق النقد الدولي ويذهب إلى الولايات المتحدة الأميركية ليُعتقل في حالة تلبّس!

 

ثم هناك حالة موريس بابون (1910-2007)، السياسي المخضرم، الذي تقلّب في عدد من المناصب الرفيعة، من بينها وزير الموازنة على عهد الرئيس فاليري جيسكار ديستان بين 1978 و1981. في التسعينات، تفجّرت قضية تورّطه في ترحيل يهود فرنسيِّين إلى معسكر أوشفيتز من بوردو، حيث كان يشغل منصباً رفيعاً في محافظة المدينة، وكرّت السبحة، ثم ظهرت مسؤوليّته في جريمة أخرى تتعلّق برمي عشرات الجزائريِّين في نهر السين خلال احتجاجات 17 تشرين الأول 1961 عندما كان محافظاً لباريس... وبعد محاكمة تاريخية، انطلقت في نيسان 1998، أُدين بابون بـ10 سنوات سجناً بتهمة التواطؤ في ارتكاب جرائم ضدّ الإنسانية، لكنّه لم يقضِ منها إلّا ثلاث سنوات، وغادر السجن في 4 آذار 2022 بحجة تدهور وضعه الصحي، وقتها وصف تقرير طبي بابون بأنّه «مُقعَد وعاجز»، لكنّه ظهر في الصور وهو يغادر السجن مهرولاً مثل حصان، ممّا خلّف استياءً واسعاً في صفوف عائلات ضحاياه...

 

هناك نوع من التواطؤ بين النخبة السياسية الفرنسية، من كلّ الأطياف تقريباً، لتفادي دخول المسؤولين الكبار إلى السجن، مهما كانت القضايا التي يتورّطون فيها. الحُكم الذي صدر الخميس في حق ساركوزي، يؤذن بانهيار عقيدة سرّية بين الفرقاء السياسيِّين، تقضي بمنح حصانة غير معلنة لكبار المسؤولين ما لم يحدث احتيال على العدالة في آخر لحظة، كأن يُقدّم المحامون تقريراً طبياً يُعفيه من الحبس على غرار موريس بابون! بعد صدور الحكم، وفيما كان الصحافيّون متكدّسين بكاميراتهم أمام قاعة المحكمة، أقدمت كارلا بروني، زوجة ساركوزي، في حركة مضحكة، على نزع قبعة ميكروفون «ميديابارت»... هكذا ذكّرتنا الفنانة الأرستقراطية بأنّ موقع «إيدوي بلينيل» هو صاحب الفضل في كشف هذه القضية، قبل أكثر من 10 سنوات.

 

حين تكون الصحافة مستقلة فإنّها تُصبح سلطة حقيقية، تساعد في تحقيق العدالة ومراقبة الشأن العام. والديمقراطية تحيا عندما يتمّ فصل السلطات.

الأكثر قراءة